محمد حسين علي الصغير

100

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

هذه المظاهر التي ذكرها ؛ وعليه فباستطاعتنا أن نعد ما في آية النور في قوله تعالى : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ « 1 » من التشبيه المقلوب ، أو التشبيه العكسي فيما يسمونه ، لأن جلاء نوره إنما هو في حقيقته - سواء أكان المقصود نور اللّه ، أم نور النبوة ، أم نور الإيمان والهداية على اختلاف الأقوال - لا في المشبه به ، وهو المشكاة بأوصافها التابعة لها ، إذ تجد في ذلك - بدون أدنى شك - تشبيها للأعلى بالأدنى ، وللمتكامل بالناقص ، وللثابت بالمتلاشي ، ولكنه في الواقع تقريب لأذهان المخاطبين ، وتصوير لأمثلة نوره التي لا يدانيها شيء بما تدركه الحواس ، إلا أن هذه الصورة إنما هي الأوضح في ذهن العرب ، لأن التشبيه فيها يقوم على تشبيه الصورة المجهولة التي لا تدانى بالصورة المعروفة لدى الناس . لهذا يرى ابن سنان الخفاجي ( ت : 466 ه ) أن الأصل في : « حسن التشبيه : أن يمثل لأجل إيضاح المعنى وبيان المراد ، أو يمثل الشيء بما هو أعظم وأحسن وأبلغ منه فيكون حسن ذلك لأجل الغلو والمبالغة » « 2 » . والطريف في الأمر أن يورد الخفاجي أدلته في تحقيق دعواه ، بأمثلة من القرآن الكريم فحسب ، ولا يكتفي في ذلك حتى تكون هذه الأمثلة جميعا من آيات الأمثال القرآنية - وحدها - ناظرا فيها إلى التشبيه باعتبار طرفيه تارة ، وباعتبار أصالتها الفنية تارة أخرى ، ثم يعقب على مجموعة التشبيهات الواردة بآيات الأمثال بقوله : « وهذه التشبيهات كلها ما بيناه من تشبيه الخفي بالظاهر المحسوس ، والذي لا يعتاد بالمعتاد ، لما في ذلك من البيان » « 3 » . حقا إن التشبيه القرآني هو خير وسيلة لتأكيد آراء النقاد والبلاغيين

--> ( 1 ) النور : 35 . ( 2 ) ابن سنان الخفاجي ، سر الفصاحة : 237 - 238 . ( 3 ) حققه الأستاذان : د . أحمد مطلوب ود . خديجة الحديثي ، دار الجمهورية ، بغداد ، 1968 .